لسان الدين ابن الخطيب

8

الإحاطة في أخبار غرناطة

يقول « 1 » : [ الوافر ] ضروب الناس عشّاق ضروبا * فأعذرهم أشفّهم حبيبا فلست ببدع ممّن فتن بحب وطن ، ولا بأول ما شاقه منزل فألقى بالعطن ، فحبّ الوطن معجون بطينة « 2 » ساكنه ، وطرفه مغرى بإتمام « 3 » محاسنه ، وقد نبّه علي بن العباس « 4 » على السّبب ، وجاء في التماس التّعليل بالعجب ، حيث يقول : [ الطويل ] وحبّب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضّاها الشّباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم * عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا ورميت في هذا المعنى بسهم سديد ، وألمحت بغرض إن لم يكنه فليس ببعيد : [ الطويل ] أحبّك يا مغنى الجلال بواجب * وأقطع في أوصافك الغرّ أوقات تقسّم منك التّرب قومي وجيرتي * ففي الظّهر أحياء وفي البطن أموات وقد كان أبو القاسم الغافقي « 5 » من أهل غرناطة ، قام من هذا الغرض بفرض ، وأتى من كله ببعض ، فلم يشف من غلّة ، ولا سدّ خلّة ، ولا كثّر قلّة ، فقمت بهذا الوظيف ، وانتدبت فيه للتأليف ، ورجوت على نزارة حظّ الصّحة ، وازدحام الشواغل الملحّة ، أن أضطلع من هذا القصد بالعبء الذي طالما طأطأت له الأكتاد ، وأقف منه الموقف الذي تهيّبته الأبطال الأنجاد ، فاتخذت الليل جملا لهذه الطّيّة « 6 » ، وانتضيت غارب العزم ونعمت المطيّة ، بحيث لا مؤانس إلّا ذبال « 7 » يكافح جيش الدّجى ، ودفاتر تلفح الحجا ، وخواطر تبتغي إلى سماء الإجادة معرجا ؛ وإذا صحب العمل صدق النّيّة ، أشرقت من التّوفيق كلّ ثنيّة ، وطلعت من السّداد كلّ غرّة سنيّة ، وقد علم اللّه أني لم أعتمد منها دنيا أستمنحها ، ولا نسمة جاه يستنشق ريحها ؛ وإنما هو صبح

--> ( 1 ) ديوان المتنبي ( ص 199 ) . هو مطلع قصيدة من 42 بيتا ، قالها في مدح علي بن محمد بن سيّار بن مكرم . ( 2 ) في ريحانة الكتاب : « في طينة » . ( 3 ) في المصدر نفسه : « بالتماح » . ( 4 ) هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج ، ابن الرومي ، المتوفّى سنة 283 ه . وترجمته في وفيات الأعيان ( ج 3 ص 313 ) وفيه ثبت بأسماء المصادر التي ترجمت له . ( 5 ) هو أبو القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي الملاحي ، صاحب كتاب « تاريخ علماء إلبيرة » ، وقد تقدّم ذكره قبل قليل . ( 6 ) الطّيّة : المقصد ، والمنتأى . لسان العرب ( طوى ) . ( 7 ) الذّبال : جمع ذبالة وهي الفتيلة التي تسرج . لسان العرب ( ذبل ) .